بحث متقدم
خطوات تسجيل مشروع التخرج :: أســماء المقبوليـن فـي ماجسـتير التأهيـل والتخصـص فـي العلـوم السـكانية للعـام الدراســي (2017/2018) على النحو التالي :: الجدول الزمني للتسجيل في ماجستير العلوم السكانية للعام الدراسي 2017/2018 :: الجدول الزمني للتسجيل في ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية للعام الدراسي 2016/2017 :: تقويم الدراسة في ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية للعامين الدراسيين (2017/2018) و (2018/2019) " الدفعة الثانية عشرة " :: أسماء المقبولين في ماجستير التأهيل والتخصص في مفاضلة الموازي ::
المسـالة السكانية في سورية
لمسـالة السكانية في سورية .. من التحدي إلى المشكلة
وضرورات الشروع بسياسة سكانية

الدكتور محمد أكرم القش
عميد المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية
عضو مجلس إدارة الهيئة السورية لشؤون الأسرة
وصلت مرحلة التطور الديموغرافي في سورية اليوم إلى مرحلة لم يعد معها من الممكن ترك العامل السكاني يسير دون ضوابط ونواظم وسياسات تحد من تأثيراته السلبية المرهقة لعمليات التنمية المستدامة، وتسهم في الاستثمار الأمثل لما هو متاح من الموارد الطبيعية بأنواعها المختلفة المتجددة أو بطيئة التجدد أو الآيلة للنضوب.
وغني عن البيان أن الأوضاع السكانية الحالية هي نتيجة حركة الظواهر والعمليات المجتمعية وانعكاساتها عبر السلوك الديموغرافي للأجيال السابقة، وبالتالي فإن السلوك الديموغرافي للأجيال الحالية هو الذي سيرسم الصورة المستقبلية للواقع السكاني في سورية في المرحلة القادمة.
وإذا كانت سورية في ما مضى (خلال العقود الخمس الماضية) استطاعت أن تستوعب الزيادة السنوية لحجم السكان فيها وتمتص المشكلات السكانية المرافقة لهذه الزيادة لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن، فإن جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أن ذلك سيكون متعذراً في المرحلة القادمة في حال استمرت الاتجاهات الحالية لوتائر النمو السكاني ومحدداته دون تدخل أو ضبط فعال عبر مجموعة من الإجراءات الكميّة والنوعية المتكاملة فيما بينها، والمؤثرة في اتجاهات النمو السكاني وفي نوعية الخصائص السكانية بما يسهم في تحويل تحديات المسألة السكانية من مخاطر إلى فرص تنموية بدل تحول التحدي السكاني إلى مشكلة أو مشكلات سكانية عصية على الحل، سيما عندما تتمظهر أو تتفرع إلى مشكلات اجتماعية واقتصادية ناجمة عن الضغط على الطاقة والمياه والموارد والخدمات وما يستتبع ذلك من ازدياد أو تفاقم ظواهر كالفقر والبطالة والهجرة ..الخ.

1-    عناصر المسـالة السكانية في سورية:
استخدام مصطلح المسألة السكانية، هنا، جاء عن قصد للإشارة إلى أنه رغم التأخر في التصدي للمسألة السكانية بحزم ووضوح عبر سياسة سكانية واضحة ومعلنة ومتبناة من قبل المجتمع ككل، فإن المجال مازال مفتوحاً أمام تطويق التحديات السكانية التي آل إليها واقع التحول الديموغرافي الذي شهدته وتشهده سورية خلال العقود السابقة وتحديداً منذ منتصف القرن الماضي. وأن خصائص المرحلة الديموغرافية الحالية في سورية رغم ما تشكله من إجهاد إضافي على عمليات التنمية وعوائدها، ورغم استنزافها للناتج الإجمالي عبر الاستهلاك الجماعي والفردي وبالتالي الحد من معدلات الادخار والتراكم لصالح التوسع في إعادة الإنتاج، فإن الإسراع في تنفيذ سياسة سكانية –تنموية من شأنه أن يستوعب التداعيات السلبية لهذه الخصائص ويطور فيها ليجعلها مواتية أو متوائمة مع عمليات التنمية.
ويمكن إجمال عناصر المسألة السكانية في سورية، التي تحتاج إلى تدخل سريع ومبرمج في المرحلة القادمة، في ثلاثة محاور كما عرضها التقرير الأول عن حالة سكان سورية 2008 ، وهي:
-    النمو السكاني المرتفع.
-    ضعف الخصائص النوعية للسكان.
-    خلل في التوزع الجغرافي-المكاني للسكان.

2-    ضرورة الاعتراف بوجود مشكلة نمو سكاني
إن أية مقاربة حالية للمسألة السكانية في سورية بعلاقتها مع التنمية، لا بد أن تنطلق من الاعتراف، أولاً، بأن سورية تعاني من مشكلة نمو سكاني تحتاج إلى ضبط وتحكم، فمعدل النمو السكاني فيها يعد من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم.
والمتتبع لمراحل التحول الديموغرافي في سورية، يلاحظ أن النمو السكاني للمجتمع السوري تميز على مدى القرن العشرين بخصائص مرحلة التحول الديموغرافي من التوازن التقليدي أو السلبي إلى نظام النمو السكاني السريع (الانفجاري). ولقد مر هذا التحول بمرحلة انتقالية وسيطة امتدت من بداية القرن الماضي إلى منتصفه، تدرج معدل النمو السكاني فيها من (أقل من 1%) إلى (2.3%).
ومع منتصف القرن الماضي دخلت سورية مرحلة النمو السكاني السريع (الانفجاري)  وبلغ معدل النمو السكاني السنوي ذروته خلال الفترة (1960-1981)، حيث وصل إلى (3.34%) سنوياً. واستمر معدل النمو السكاني في سورية عند مستوياته العليا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ليسجل مع بداية الألفية الثالثة تراجعاً محدوداً وصل حالياً إلى (2.4%)، أي تراجع بما مقدار 10 نقاط خلال 30 سنة، أي نقطة واحدة كل ثلاث سنوات.
وبكلام آخر، مازال معدل النمو السكاني في سورية (رغم تراجعه) من المعدلات العالية وفق المقاييس الديموغرافية، فهو يعني تضاعف عدد السكان خلال (32) سنة. وإضافة إلى ما سبق، وفي ظل واقع الحركة السكانية لسورية، فإن الرقم الحالي لمعدل النمو السكاني يعكس المعدل العام لنمو السكان في سورية ولا يفصح بدقة عن معدل النمو الطبيعي للسكان السوريين، الذي يقدر بحوالي (2.7%) خلال الفترة ما بين (2000-2009) وهو ذات المعدل للنمو السكاني تقريباً للفترة ما بين (1990-2000) وفق بيانات السجل المدني، بمعنى أن معدل النمو السكاني للسوريين هو في الواقع أعلى من معدل النمو السكاني للسكان في سورية، كما أن هذا المعدل لم يستمر في الانخفاض إثر تراجعه المحدود بعد ذروة النمو السكاني السريع التي شهدتها سورية في الربع الثالث من القرن الماضي أو في أحسن الحالات فإن تراجعه المسجل خلال السنوات الأخيرة بطيء جداً.


3-    حجم السكان في سورية اليوم يشكل 4.5 أمثال حجمهم عام 1960
وفق بيانات المسح الصحي الأخير الذي نفذه المكتب المركزي للإحصاء في سورية بالتعاون مع العديد من الجهات المعنية، وصل حجم السكان في سورية في منتصف عام 2010 إلى (20.6) مليون نسمة ، وهو ما يعادل (4.5) أمثال حجمهم عام 1960. 
ويعكس ذلك وتيرة متسارعة ومتصاعدة في الحجم السنوي للزيادة السكانية المقدرة حالياً بأكثر من نصف مليون نسمة سنوياً وفق بيانات المكتب المركزي للإحصاء حول السكان في سورية، وبأكثر من (580) ألف نسمة وفق بيانات السجل المدني حول السكان السوريين.
 وهذا يعني أن الزيادة المطلقة لحجم السكان في فترة تراجع معدل النمو السكاني هي أعلى بشكل واضح مما هي عليه في فترة النمو السكاني السريع، ففي فترة ذروة النمو السكاني السريع في سورية (1970-1981) لم يتجاوز حجم الزيادة السكانية السنوية المطلقة (249.273) ألف نسمة، أي أقل من نصف حجم الزيادة المطلقة السنوية حالياً.
وإذا كانت سورية في ذروة نموها السكاني تحتاج إلى أربع سنوات ليزيد عدد سكانها مليون نسمة، فهي اليوم "تحقق" ذلك في نصف المدة، وإذا استمرت اتجاهات النمو السكاني الحالية فمع نهاية الربع الأول من هذا القرن سيزيد عدد سكانها (3) ملايين نسمة كل أربع سنوات.
وواضح أن هذا الضغط السكاني المتزايد يشكل وسيشكل  تهديداً حقيقياً للموارد والنظم البيئية في سورية (الأرض المياه والطاقة) وما ستحققه سورية في مجال النمو الاقتصادي والتنموي بصفة عامة قد لا يفي حتى بسداد فاتورة المتطلبات المعيشية والخدمية للمتدفقين الجدد وفق هذا الزخم المتصاعد والمتنامي، وبالتالي سينعكس ذلك حكماً على تراجع المستوى المعيشي الحقيقي أو الفعلي للمواطنين بشكل عام.
وارتفاع معدل النمو السكاني يعود بالدرجة الأولى إلى استمرار ارتفاع معدل المواليد، الذي يعد من المعدلات المرتفعة عالمياً، والذي يقدر حالياً بـ (26.7) بالألف حسب النتائج الأولية للمسح الصحي الأسري -2009 . وإلى النجاحات المستمرة في تخفيض معدلات وفيات الرضع (17.9) بالألف، ومعدل وفيات الأطفال دون الخمس سنوات (23) بالألف، ومعدل الوفيات الخام (4.7) بالألف، حسب بيانات المسح الصحي الأسري-2009 .
وبمعنى آخر فإن ضبط معدل النمو السكاني من المفترض أن يستهدف تعديل السلوك الديموغرافي فيما يتصل بالتأثير على العوامل المباشرة وغير المباشرة المحددة للخصوبة التي ما زالت معدلاتها مرتفعة. سيما وأن التراجع في معدلات الخصوبة الكلية المسجل خلال السنوات الماضية لم يصاحبه تراجع مماثل (بنفس الدرجة) في معدلات الخصوبة الزواجية، مما يعني أن السلوك الديموغرافي –الإنجابي الواقعي للسكان في سورية ما زال ينتمي إلى المعدلات العالية بالمقاييس الديموغرافية، فرغم تراجع معدل الخصوبة الكلية من حوالي سبعة مواليد للمرأة في ثمانينات القرن الماضي إلى حوالي 3.5 مولود لكل أنثى في الفترة الحالية، فإن معدل الخصوبة الزواجية ما يزال مرتفعاً ويزيد عن الخمسة مواليد للمرأة.
كما أن التراجع في معدل الخصوبة الكلية والزواجية يتفاوت بين محافظة وأخرى، وبالمجل العام لم تشهد معدلات الخصوبة تراجعاً بيناً إلا في محافظات فقط (السويداء وطرطوس واللاذقية ومدينة دمشق) ومازالت (6) محافظات (الحسكة والرقة ودير الزور وحلب وادلب) تنتمي إلى نمط الخصوبة المرتفع جداً، في حين تنتمي بقية المحافظات إلى نمط الخصوبة المتوسط وهي قريبة من المعدل على مستوى سورية ككل.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العوامل الوسيطة التي ساهمت في الانخفاض النسبي لمعدلات الخصوبة في المرحلة السابقة قد وصلت في سيرورتها الآلية -الطبيعية إلى عتبتها القصوى وتحتاج إلى دفعة قوية تدخلية مدروسة وممنهجة  لتستمر في تأثيرها الفعال في خفض معدل الخصوبة مستقبلاً ولا سيما الخصوبة الزواجية، ولعل من أهم هذه المتغيرات الوسيطة ما يلي:
-    رفع سن الزواج بالنسبة للجنسين وخاصة عند الإناث.
-    الحد من تعدد الزوجات.
-    رفع نسبة انخراط الفتيات في مراحل التعليم المختلفة، ومتابعة تعليمهن العالي.
-    رفع نسبة مساهمة النساء في النشاط الاقتصادي.
-    رفع نسبة مساهمة المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية.
-    تغيير النظرة النمطية للمرأة ولأدوارها الاجتماعية.
-     تعديل النظرة الاجتماعية للمستقبل وعوامل الأمان والاستقرار فيه وعدم ربطها بإنجاب الأولاد كضمانة لمستقبل الآباء والأمهات عند التقدم بالسن.

4-    الخصائص النوعية للسكان
التدخل السياساتي المطلوب انتهاجه في الفترة القادمة للتصدي للمسألة السكانية لن يقتصر على مسائل ضبط النمو السكاني وتعديل السلوك الديموغرافي عبر تنظيم الأسرة ونشر مفاهيم الصحة الإنجابية فقط، بل من المفترض أن يشتمل على جملة من البرامج الهادفة إلى توجيه المتغيرات الوسيطة المؤثرة في النمو السكاني الطبيعي باتجاه خلق بيئة ثقافية واجتماعية واقتصادية وقانونية وتنظيمية داعمة لتوجهات السياسة السكانية ومساندة لها. ويتضمن ذلك محاور عديدة تتصل بالتعليم والصحة والتشغيل، إضافة إلى مراجعة تفصيلية للعديد من التشريعات والقوانين والإجراءات التنفيذية بهدف إعادة صياغتها أو تعديلها بما يتناسب مع طبيعة التحول الديموغرافي وحركة مؤشراته الآنية والمستقبلية.
وتنتمي سورية على مستوى سلّم التنمية البشرية إلى شريحة البلدان المتوسطة في مؤشرات تنميتها البشرية. و تقدم فرص الانفتاح النسبي للنافذة الديموغرافية السورية، والتي تتمثل بارتفاع حجم السكان الذين ينتمون إلى القوة البشرية (15-64 سنة) أي القوة الواقعة في سن الإنتاج والعمل، مقابل التراجع النسبي لحجم الفئات الطفلية المعالة نتيجة تغير التركيب العمري للسكان، ممكنات وفرص للاستفادة التنموية من هذا التغير الهيكلي النسبي الحاصل في التركيب العمري للسكان والمحدود زمنياً، عبر الاستثمار في تنمية المهارات والقدرات البشرية للسكان .
وعليه، فإن مسائل مثل: الحد من انتشار الأمية وتفعيل تنفيذ إلزامية التعليم وزيادة فرص متابعة التعليم الثانوي والجامعي وتحسين جودته وتنويع خياراته، والاستمرار في خلق فرص عمل جديدة وتحسين المستويات المعيشية للسكان والحد من الفقر، وسياسات الضمان الاجتماعي والصحي.. هي جزء من السياسة السكانية التي هي بدورها جزء أو محور أساسي من السياسات الاجتماعية والاقتصادية الشاملة.
وبذات الوقت فإن تخفيض معدلات الخصوبة سيسهم بشكل مباشر في خفض معدلات الإعالة مما ينعكس إيجابياً على معدلات الادخار والاستثمار وتحسين نوعية حياة الأسرة، وإتاحة مجال أوسع للإنفاق الاستثماري عليها في مجال الصحة والتعليم والمسكن اللائق، وتوفير مقومات أساسية للحياة الكريمة اللائقة والكريمة التي تشعر الإنسان بحريته في الخيار، والمساهمة الإيجابية في عملية التنمية.
من هنا، فإن التدخل السياساتي لخفض معدل النمو السكاني المرتفع في سورية لا يعني الحد من مسألة الزيادة المرتفعة فحسب، بل ويعني بدرجة أساسية تغير التركيبة العمرية السكانية، ومزيداً من ارتفاع حجم القوة البشرية. فهو تدخل يستهدف إدماج التغير العمري الناتج عن تراجع معدل النمو السكاني ومعدل الخصوبة في زيادة حجم القوة البشرية.
 
5-    التوزع الجغرافي- المكاني

يتسم  توزع السكان في سورية على المساحة المعمورة بسمتي التشتت والتركز، أو التخلخل والاكتظاظ  السكانيين في آن واحد، إذ يتركز ما يقارب من ثلاثة أخماس سكان سورية في أجزاء محدودة من محافظات حلب وحماة وحمص وريف دمشق ومدينة دمشق، ويتوزع بقية السكان في المحافظات الأخرى. ولاتشكل مساحة الأرض في المحافظات الخمس المذكورة التي يتركز فيها حوالي ثلاثة أخماس عدد السكان الاجمالي أكثر من (13%) من مساحة سورية العامة.
ويشكل سكان محافظات دمشق وريف دمشق وحلب (44%) من عدد السكان الإجمالي للقطر، بينما لا تشكل مساحة الأرض التي يتركزون عليها في هذه المحافظات أكثر من (8%) من المساحة العامة لسورية.
وتتحدد مشكلة اختلال التوزع السكاني في شقين: يتمثل الأول في محدودية الأرض المعمورة بالنسبة إلى المساحة الكلية، والثاني في اختلال توزع السكان ضمن الأرض المعمورة نفسها بين مناطق مضغوطة سكانياً بشدة ومناطق قليلة السكان.
 ويعود اختلال التوزع السكاني- الجغرافي إلى عوامل طبيعية وتاريخية وسياسية واجتماعية -ديموغرافية واقتصادية متضافرة التأثير فيما بينها، غير أن أبرز مايتصل منها بمشكلة التركز/ التشتت هو ارتفاع وتيرة معدل التمدين في سورية الناجم عن عوامل متنوعة (النمو الطبيعي والهجرة الداخلية وتنامي العشوائيات..).
وتنتمي سورية وفق مؤشر الكثافة العامة (الحسابية أو الكيلومترية) إلى الشريحة الدنيا من الدول قليلة الكثافة السكانية (أقل من 100 نسمة/ كم2)، لكنها وفق مقياس الكثافة السكانية الفعلية تنتمي إلى شريحة الدول عالية الكثافة (أكثر من 250 نسمة/ كم2).
وتقدم الزيادة السكانية المرتفعة الحاصلة والمتوقعة بحجم السكان عرضاً مزودجاً أمام السياسات، فازدياد حجم السكان الداخلين في القوة البشرية يتطلب أولاً تدخلات مباشرة للسيطرة على معدل النمو السكاني المرتفع، وثانياً تصحيح اختلال التوزع الجغرافي- السكاني عبر السيطرة على الهجرة الداخلية بتنمية المدن المتناهية في الصغر والصغيرة والمتوسطة .
وعليه، فإن أية إجراءات أو قوانين أو تشريعات مهما كانت قوتها لن تشكل حلاً، لإعادة هيكلة التوزع السكاني وتحقيق توازن سكاني مناسب في المحافظات السورية بحيث لا تضم محافظة أكثر من خمس سكان القطر وأخرى أقل من (1 %) من سكانه، ما لم تأخذ بعين الاعتبار العمل على توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس في جميع المناطق وإزالة الفوارق التنموية كافة بين الريف والمدينة بشكل خاص، وبين المحافظات السورية بشكل عام، وهذا لا يعني بالطبع جعل الريف صورة طبق الأصل عن المدينة، كما لا يعني جعل جميع المدن السورية تبدو كما لو أنها نسخ كربونية مكررة،  بل تعزيز التميز والتفرد والتخصص لكل منطقة جغرافية بما تحتويه من خصائص حيوية وبيئية وطبيعية واجتماعية واقتصادية وتوسيع الاستثمار الخاص والحكومي وتنويعه بالاستفادة من خصائص المكان لتتكامل (ولا تتكرر) المشاريع التنموية وتتوسع الخيارات المتاحة أمام السكان لنشهد بعدها حركة سكانية من نوع جديد يمكن أن يتحقق معها توزعاً نسبياً متوازناً للسكان، الذي إن تحقق ستخف معه حدة العديد من المشكلات الاجتماعية ذات الطابع الديموغرافي كالهجرة والبطالة والفقر والسكن العشوائي..الخ، لا بل سيكون لهذه الإجراءات التنموية أثرها المباشر على تغيير السلوك الديموغرافي للسكان وبالتالي تراجع معدلات الخصب السكاني والإسراع في التحول إلى النمط الديموغرافي المتوازن للنمو السكاني.
وبالمحصلة العامة، لابد من توجيه الأنظار نحو إقامة دراسات اجتماعية واقتصادية وسكانية، لنتبين من خلالها حقيقة النمو المديني لسكان سورية ومدى تأثره أو تأثيره على عدة ظواهر مثل: الاكتظاظ السكاني في المدن، أو "ظاهرة التضخم السكاني فيها" أو ظاهرة التوسع العمراني في الريف "أو زحف المباني على الأراضي الزراعية" كما أنه، لابد من تحديد معالم ظاهرة الهجرة المعاكسة من المدينة إلى الريف، وهل تتم في إطار مديّنة الريف في الإطار الخدمي فقط، أم في الإطار الخدمي والإنتاجي معاً (التنموي)؟ أي هل تتم مع المحافظة على النشاط الأساسي للاقتصاد الريفي وهو الزراعة أم على أساس امتهان أنشطة اقتصادية هامشية، أم على أساس الهروب من المدينة بحثاً عن فرص أفضل للسكن والمعيشة في الريف بشكل مؤقت ريثما تتم الهجرة لمكان آخر أكثر جذباً؟، بمعنى آخر هل تتم الهجرة المعاكسة لتنمية محققة في الريف أم لعجز في المدينة عن استيعاب المهاجرين وغياب عوامل الاستقرار فيها؟.
6-    خلاصة ونتيجة:
إن السياسة السكانية الواجب تنفيذها في سورية في المرحلة القادمة عليها أن تدعم المتغيرات التنموية الضابطة لعملية النمو السكاني المستقبلي والمتماشية مع حركة المجتمع ومسيرته.  كما أن على السياسة السكانية باعتبارها جزءاً من السياسة التنموية معالجة المشاكل السكانية الأكثر إلحاحا، مثل:
1 ـ الخلل في التوزع الجغرافي للسكان في سورية، والذي يظهر على شكل تضخم سكاني في المدن الكبرى، وتوسع عمراني على حساب المناطق الريفية، وضآلة كثافة السكان في بعض المناطق وبخاصة المناطق الشمالية والشرقية على حساب المناطق الأخرى وخاصة المنطقة الساحلية ومنطقة دمشق وريفها.
2 ـ الخلل في التناسب ما بين فئة السكان داخل وخارج قوة العمل، وبخاصة مسألة تفعيل مساهمة المرأة في العمل وزيادة نسبتها وخلق فرص عمل جديدة تستوعب مسألة انفتاح النافذة الديموغرافية كفرصة تنموية لن تتكرر.
3 ـ عدم التناسب ما بين العاملين في القطاعات الإنتاجية والعاملين في القطاعات الخدمية، بحيث يتم التقليل قدر الإمكان من الفيض النسبي للسكان في القطاعات الخدمية والحد من ظاهرة البطالة المقنعة، والقضاء التدريجي على ظاهرة العمل الهامشي.
وتفرض مواجهة المسألة السكانية، وتحويل تحدياتها من مخاطر إلى فرص تنموية القيام بتدخل فعال عبر مجموعة من الإجراءات الكميّة والنوعية المتكاملة فيما بينها، والمؤثرة في اتجاهات النمو السكاني وفي نوعية الخصائص السكانية في ضوء الأهداف التنموية. ومع أن اتجاهات السياسات السكانية تختلف باختلاف التحديات التي تطرحها المسائل السكانية، لكنها تتسم بصفة التدخلية، وتعتبر جزءاً من سياسة التنمية الاقتصادية والاجتماعية العامة في أي دولة. والسياسات السكانية في البلدان التي تعاني من ارتفاع معدل النمو السكاني، مثل سورية  يجب ألا تنطوي بأي شكلٍ من الأشكال على تحقيق أية أهداف ديموغرافية فقط بواسطة التوسع باستخدام وسائل تنظيم الأسرة أي بمعزل عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعملية التنمية. وهذا لا يعني إهمال تحقيق المرامي الكميّة "التقييدية" لتخفيض معدل النمو السكاني بل تأسيسها على رؤية متكاملة لأبعاد عملية التنمية، تدمج السكان في عملية التنمية، وتغير النظرة التقليدية لانخفاض وتيرة معدل النمو السكاني من النظرة الكمية التي ترى فيه مجرد خفض في الأعداد الجديدة من السكان إلى النظرة النوعية التي تربط انخفاض هذا المعدل بتغير التركيبة العمرية للسكان والاستعداد لانفتاح النافذة الديموغرافية الذي يجب أن يحتل مكان الصدارة في أية سياسة سكانية تنموية مستقبلية.
ولعل من أهم البنود والأدوات الواجب توافرها من أجل صياغة السياسة السكانية في سورية، حسب ما خلص إليه تقرير حالة سكان سورية 2008 ما يلي:
-    إنشاء قاعدة معلومات سكانية متكاملة على المستوى الوطني والأقاليمي وبين الأقاليمي تمكّن واضعي السياسات ومتخذي القرارات والباحثين من معرفة نقاط القوة والضعف والفرص المتاحة والتحديات.
-     إنتاج الأرقام الديموغرافية بأعلى ما يمكن من الدقة وفق اعتماد أحدث المنهجيات العلمية، وتطوير قدرات الأطر العلمية ومهاراتها لتكون وسيطاً داعماً ومتخصصاً بالمسألة السكانية.
-    تعزيز الربط بين مؤسسات الرصد والإحصاء والبحث العلمي المعنية بالسكان وبين واضعي الخطط والسياسات على مستوى الحكومة، والمستثمرين.
-    رسم خريطة سكانية شاملة على المستوى الوطني، والأقاليمي، والمحافظات، مع تحديد مرتبة كل إقليم ومحافظة في كل قضية من قضايا السكان حتى يتسنى استهدافها وفق هذه الخريطة وخصوصية كل إقليم ومحافظة.
-    تشكيل مرصد دائم وديناميكي للمتغيرات الديموغرافية العامة على المستوى الوطني ومستوى الأقاليم والمحافظات.
-    دمج العامل السكاني بخطط التنمية وبرامجها وعدم الشروع بتحقيق أي هدف ديموغرافي بمعزل عن الهدف التنموي. وتشميل الخطة الخمسية الحادية  عشرة برامج مباشرة وغير مباشرة لضبط النمو السكاني وتحسين الخصائص الكمية والنوعية للسكان واستثمار انفتاح النافذة الديموغرافية بعد معرفة توقيت انفتاحها على مستوى المحافظات والأقاليم ووضع سياسات تنموية تدخلية استباقية لاستيعابها.
-    اعتماد تقسيمات إدارية موحدة في سورية عند الحصول على بيانات ومؤشرات سكانية وفق هذه التقسيمات. والإسراع في اعتماد العنوان الرقمي وإلزام المواطنين بالإبلاغ عن عناوينهم للسجل المدني عند التنقل، واعتماده مترافقاً مع اسم وعنوان المواطن الرقمي في قواعد البيانات كافة، لا سيما في وزارات الدولة وجهاتها العامة كافة.
-    تحقيق الاتساق بين التشريعات غير المباشرة الناظمة للمسالة السكانية وبين التشريعات المباشرة، بما يضمن تنفيذ سياسة اجتماعية متكاملة تربوياً وإعلامياً واجتماعياً.
-    تبني الدولة لسياسة سكانية معلنة لضبط النمو السكاني وجعل خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية حقاً من حقوق المواطنة وجزءاً من الخدمات التي تكفلها الدولة للجميع وضمان تقديمها مجانياً.
-    وضع سياسة إعلامية واضحة تلتزم بها المؤسسات الإعلامية كافة ولاسيما الحكومية منها بحيث لا يتم بث أو توجيه رسائل تناقض السياسة الاجتماعية والسكانية.
-    إدماج ثقافة تنظيم الأسرة ومفاهيم السكان والصحة الإنجابية والنوع الاجتماعي في المناهج الدراسية على المستويات كافة بحكم دورها في تكوين الاتجاهات، ووضعها في إطار مفاهيم التربية السكانية التي تقوم على تشجيع نمط "الأسرة الصغيرة" بمختلف السبل الإيجابية الممكنة.
-    تعبئة قدرات الجمعيات الأهلية المعنية بالصحة الإنجابية ورعاية الأمومة والشيخوخة والرعاية الاجتماعية العامة عبر تحفيزها على التشبيك فيما بينها لخدمة أهداف عملية التنمية. وتيسير نقل العمل الجمعياتي من مرحلة العمل الخيري البحت إلى مرحلة العمل التنموي الذي يخلق فرص عمل صغيرة ومتناهية في الصغر مرنة ومدرة للدخل، وتدمج المرأة في العمل، وتخفف من حدّة الفقر. وإنعاشه في المناطق والمحافظات والأقاليم الأقل نمواً.  ومساندة دور المجتمع الأهلي في البرنامج الوطني السكاني عبر منح أفضل الجمعيات أداءً وإنجازاً في مجال الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة ومحو الأمية والبيئة.